أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
242
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
القلب الذي يتوهّج حبّاً ووفاءً وسماحةً جديراً بمسحة حنان ، فالقلب المشتغل غضباً وعتاباً جديرٌ بمسحتين ، وعلى هذا الأساس أكتب هذه السطور التي سوف يحملها إليكم الشيخ محمّد النمر حفظه الله الذي نعمنا بلقياه وسرّنا وجود أمثاله في ذلك البلد الكريم . وأمّا القضيّة التي أثارتكم عليَّ حتّى زلزلت من كلّ ما تعيشونه من ثقة وتقدير ، أو كادت أن تفقدكم الثقة نهائيّاً بي وبأيّ إنسان آخر فإنّي قبل كلّ شيء أسأل المولى سبحانه وتعالى أن يسبغ عليك من سكينته ويوسّع من صدرك لتكون أكثر تحمّلًا للهموم وأكثر قدرةً على هضم الهفوات ، وبعد ذلك فإنّ وضعنا مع سماحتكم يتمثّل أوّلًا في عدم الردّ على برقيّتكم وما أرسلتموه من قرار بانتقالكم إلى القاهرة ، ويتمثّل ثانياً في عدم الردّ على رسالتكم الكريمة التي أرسلتموها قبل فترة من الزمن وتحدّثونني فيها عن عبد الفتّاح عبد المقصود وكتابه السقيفة وغير ذلك من أحاديث الودّ والصفاء . أمّا الأمر الأوّل ، فالواقع أنّي تعمّدتُ عدم الإجابة على ذلك لأنّي كنت أشعر بأنّ اللياقة الروحيّة والدينيّة والعمليّة كانت تقتضي - بعد أن حصل التفاهم أوّلًا على وجودك الديني والعلمائي في الكويت وقُرِّر بذل أقصى الجهد في إنجاج هذا الوجود بأعلى درجة ممكنة - أن تراسل المرجعيّة أو الأحباب على مستوى المشاورة لا على مستوى تبليغ باتّخاذ القرار ، ولا أقول : إنّك غير مصيب في اتّخاذ القرار بل أقول : إنّ التعامل الثنائي له تكاليفه ، ومن تكاليفه المشاورة والتفاعل ، وأن يشعر الطرف الآخر في التعامل بأنّه ينظر إلى وجوده في التعامل نظرة واحترام ، وبأنّ كلّ ما يُتفاهم عليه مع أخيه لا ينقض كلّه في لحظة بدون علم منه ، فكّر في نفسك وحكّم فهمك الاجتماعي ونظرتك العلميّة للأشياء بعيداً عن العواطف والأحاسيس ، ما معنى المرجع والمرجعيّة والارتباط بها ، ما معنى الارتباط بالنجف ، ما معنى الأخوّة ، ما معنى الأستاذ ، ما معنى أن تطلب منّي وأنت في الكويت أن أبذل كلّ قدراتي في سبيل تركيز وجودكم هناك ، ما معنى اهتمامي بذلك ، وما معنى توقّعك لهذا الاهتمام إذا كان كلّ ذلك ينقض في لحظة بدون أيّ إشعار سابق على عمليّة النقض هذه ، إنّي حينما أنظر إلى ذلك لا من زاويتي بوصفي إنساناً أحبّك وأعزّك بل بوصفي كياناً أريد أن أثق بك وأتعامل معك فعليّاً في خدمة الدين وخدمة النجف ماذا سوف أرى ، وهل سأرى الإنسان الذي يشعر الكيان الذي يتعامل معه باحترام الالتزامات الأدبيّة تجاهه ، أو الإنسان الذي يتّخذ القرارات مسبقاً ويقوم بتبليغها . إنّ كلّ إنسان حرٌّ في اتّخاذ أيّ قرار في حدود فهمه للأشياء ، ولكن هذا ما دام يريد أن يعيش بمفرده ، وأمّا ما دام يريد أن يعيش ضمن إطار كيان أكبر فالمتوقّع منه أن يتصرّف ضمن هذه العلاقة الكيانيّة ، إذ بالله عليك خبّرني إنّك إذا أخذت انطباعاً عن شخص معيّن بأنّه مهما جرى بينك وبينه من حديث أو التزام أو تفاهم فإنّ ذلك لا يمنعه عن أن ينقض هذا كلّه إذا ارتأى أنّ الصلاح في نقضه بدون أن يشاورك ، فماذا سوف تكوّن من فكرة عنه ، قد تظلّ محبّاً له بدرجة عالية ، أمّا أن تقول له عفارم وأحسنت على مثل هذا التصرّف فهذا صعبٌ جدّاً ، هذا فيما يتّصل بعدم الردّ على برقيّة سماحتكم . أمّا الأمر الثاني أي الرسالة العزيزة التي تفضّلتم بإرسالها من مصر قبل فترة ، فإنّ غضبكم بشأن عدم الجواب عليها ينبغي أن ينصبّ على البريد الذي لم يوصل الجواب على تلك الرسالة التي كان من اهتمامي العاطفي والروحي بها لأنّها رسالة شخص من أعزّ الناس عليّ وأحبّهم إلى قلبي أنّي أبقيتها في جيبي طيلة شهر وقرأتها مراراً في هذه الفترة ، وقد كتبت لكم جواباً وأرسلته في البريد ، ثمّ اطّلعت عن طريق الشيخ الأوحدي على أنّ سماحتكم في حالة سخط على هذا المسكين لذنب جناه غيره ، فبادرتُ إلى كتابة رسالة أخرى وأرسلتها بالبريد أيضاً ، ثمّ جاءت رسالتكم الغضبى ، ولم تكن أوّل رسالة غضبى استلمها منكم ، ولئن عشت المرارة وأنا أقرأ غضبك عليّ ، وألمح من وراء السطور خلفيّات هذا الغضب ،